قراءة في كتاب بذكرى أكتوبر "في مدن نسكنها".. سياحة سياسية

عدن تايم 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ
اخبار من اليمن ثمة انطباعات وتقويمات عن تجربة حكم اليسار لجنوبي اليمن أو قبل إعادة توحيد شطري اليمن عام 1990م، دونت في غير مرجع، أ كان لباحثين عرب أو فاعلين محليين شاركوا الحكم واشتركوا في صراعاته، فترة الحزب الاشتراكي اليمني والجبهة القومية من قبل لا يخلو أي انطباع وتقويم من موضوعية وتجرد، لا سيما وأن مجملها تتركز حول أفاعيل السلطة في الأنفس والأوطان، وترد أسباب كل صراع إلى تنازع سلطوي ضره للمجتمع يفوق نفعه، إلى الحد الذي بسببه تسكن آثار النزاع المدمر المدن التي تسكن الذاكرة والوجدان.

"مدن نسكنها ومدن تسكننا" للأستاذ سالم صالح محمد عضو مجلس رئاسة الجمهورية اليمنية الأسبق، كتاب (714 صفحة، هو سادس مؤلفاته) يدرج ضمن أدب الرحلات، تضمنت سطوره التعليقات والذكريات عن رحلات سياسية وسياحية معاً بدءً من مسقط الرأس في (ذي غان) أو ضيان بيافع، حتى مسكن النفس "دبي"، جال بنا داخل اليمن والأقطار الشقيقة والصديقة. مدن تركت أثراً فيه وترك هو ورفاق درب النضال والسلطة والصراع أثراً فيها أو شاهد ما فيها من آثارٍ فعلها الآخرون سلباً وإيجاباً، سلماً وحرباً، سياسةً واقتصاداً، سياحةً ومقاماً.

سالم صالح وزير خارجية الجنوب اليمني مطلع الثمانينيات، شهد وشارك أهم تحولات الجنوب اليمني من النضال حتى تكسُر النصال، أثناء نشوء دولة وطنية بإمكانيات ضعيفة لا تلبي حاجات مواطنين لا تشبعهم الإيديولوجيات وإن فرضت بوسائل كل "سلطة وحكم ثوري تقدمي" احترام النظام والقانون، مبتدئين الأخذ بتجارب الدول التقدمية ثم مقتنعين بقبول عون الدول غير التقدمية التي كانت مدنها بين ما يزيد عن 90 مدينة، منها 26 مدينة يمنية والبقية موزعة بين عواصم القرارات الدولية والإفريقية والعربية، وملحقاتها من المدن الرئيسية، وأزارنا بقلمه تاريخها، وأغنى كتابه بانطباعاته عنها، ولقاءاته فيها مستطرداً إلى نقد التجربة السياسية لحكم اليسار في الجنوب ثم تحليل الأوضاع أو عرض التطورات بعد وحدة الجنوب مع الشمال اليمني.

لا ريب في أن بصيص اعتدال تخلل فترة الرئيس سالم ربيع علي "سالمين" بدأ معها التقارب مع دول الجوار، وقادها ببراعة محمد صالح مطيع وزير الخارجية الأسبق، بمواكبة ومشاركة تنظيمية لميلادها من قبل سالم صالح بحكم موقعه التنظيمي سكرتيراً للعلاقات الخارجية، ثم خلفاً لمطيع في الخارجية أثناء عهد الرئيسين عبدالفتاح إسماعيل وعلي ناصر محمد الذي واصل الاعتدال هو الآخر بطريقته، قبل أن تتفرق بالرفاق سبل الحياة إلى مدن (وحياة) أخرى نتيجة الصراعات داخل اليمن حتى أسفرت عن تحولات غير محمودة.

المحمود في كتاب الأستاذ سالم صالح، أنه أعطى كل مدينة حقها من الوصف وما تتسم به من مزايا، كأثر ثقافي وتنويري وثوري وسياسي مثل القاهرة ودمشق وبيروت وبغداد، وسجل إعجاباً وثناءً على تطور الإمارات بقيادة فرسانها، وإجلالاً للسعودية موطن المقدسات الإسلامية، وهياماً بمدن اليمن كلها: من عدن حتى صعدة والجزر غير المستغلة سياحياً والمهدرة سياسياً، ومواطن الثورات فيها، مع وداعة أهالي الحديدة المتسمين بعناد وصلابة، وما تحقق للمهرة من خير بفعل التواصل مع سلطنة عمان.

وصف المدن ثم مضى ينصف الشخصيات التاريخية ودورها الريادي لتأمين نصرة الثورة، مستشهداً –على سبيل المثال- بحكمة "فيصل عبداللطيف الشعبي" في طريقة احتواء حضرموت لصالح الثورة عبر "اليوافع: أبناء يافع"، ثم تقدير منجزات الوحدة داخل الجنوب خلال "عهد الرئيس علي عبدالله صالح". مع ثناء على رجاحة العقل الحضرمي الرافض كل ما من شأنه خلق العنف وتفضيل الفكرة والكلمة على الرصاصة والقنبلة.

لا تفوت على زائر وقارئ مدن سالم صالح، تقديره لما أبدته دولة الكويت من مرونة دبلوماسية وانفتاح ومساعدات تنموية بغرض الاحتواء في وقت مبكر، نعمت عدن بنصيب منها أثناء انعزال النظام اليساري عن جواره الخليجي والعربي نتيجة إيديولوجيته وجبهاته المفتوحة شرقاً وشمالاً. ذاك الانفتاح الكويتي على جنوب اليمن، أشعر سالم صالح وغيره من اليمنيين، بامتنانٍ كان زاداً لدى حديثه –وهو عضو مجلس رئاسة لليمن الموحد- مع الرئيس صدام حسين بعد غزو الكويت ووجوب الخروج منه لما يترتب عليه من تداعيات.

بسط سالم صالح صورةً ضافية لشكل التعاطي الدولي مع اليمن، وموضعه جدول أولويات عواصم القرار الدولي حال انصراف تلك العواصم إلى شؤونها الداخلية ومصالحها الأساسية.. فموسكو التي أولت جنوبي اليمن اهتماماً بالغاً في التغذية الأيديولوجية فقط من أعلى مستويات القيادة لئلا تنضم عدن إلى تيار بكين يوم انقسام الشيوعية بينهما، تعهد في ظل فوضاها آخر ثمانينيات القرن العشرين -طبقاً لشهادة سالم صالح- بالملف إلى يد "مسئول باللجنة المركزية لا يعرف أين موقع اليمن"! هذا قبل أن ينهار الاتحاد السوفياتي تماماً.. وبعد انهياره تشهد موسكو "روسيا الاتحادية" بعد وساطة منها تستعيد بها سالف مجدها، توقيع الأستاذين سالم صالح ومحمد سالم باسندوة اتفاق وقف إطلاق النار، الذي توقف بشكل آخر جعل واشنطن (قاسية القلب) بعد عامين من انتهاء حرب الوحدة ودحر الانفصال 1994م –كما يروي ساكن المدن- تنصرف عن آثار الحرب ولا تعدها ضمن أولويات العلاقات مع اليمن بعكس قضايا الإرهاب والتطرف الذي أولته واشنطن جل اهتمامها، وأخذت توطد علاقاتها مع دول المنطقة على أساسها.

على أساس من المعرفة والإدراك تتأسس مرئيات واقعية يمكن بناء التوقعات عليها من خلال زيارات أداها الوزير سالم صالح عندما رد على أحد نظرائه إزاء إحدى مسائل اشتعال المنطقة مطلع الثمانينيات، فصح توقع وزير خارجية اليمن الجنوبي بما لحِظَه على غرور اللحظة التي عاشها بعض نظرائه العرب.

ثمة مواقف اتسمت بالطرافة مع زعماء عرب وأفارقة وأجانب، وملاحظات دقيقة، وشهادات أمينة عن مدى تهذيب بعض الملوك والشيوخ وجرأة الوزراء والساسة، باستطراد تغشاه حلاوة الشعر وعذوبة الخواطر فأغنت الكتاب الصادر عن "وكالة الصحافة العربية ناشرون.. القاهرة"، مع دعوة مخلصة إلى أن نستفيد قدر المستطاع من كل توجه إيجابي تجاه اليمن.. اليمن الذي يسكننا، ولم يعد يسكنه الاستقرار، ويرغب كل سكان المدن مع سالم صالح محمد ويرجون الله "عودة الاستقرار إلى ربوع أوطاننا"، وأن تنتصر الروح الوطنية على الطائفية في كل الأوطان.

قراءة في كتاب بذكرى أكتوبر "في مدن نسكنها".. سياحة سياسية ، هذا الخبر قدمناه لكم عبر موقعنا.
وقد تم استيراد هذا الخبر قراءة في كتاب بذكرى أكتوبر "في مدن نسكنها".. سياحة سياسية، من مصدره الاساسي موقع عدن تايم.
ولا نتحمل في موقع من اليمن اي مسؤولية عن محتوى قراءة في كتاب بذكرى أكتوبر "في مدن نسكنها".. سياحة سياسية.

أخبار ذات صلة

0 تعليق